الفيروز آبادي

24

بصائر ذوى التمييز في لطائف الكتاب العزيز

/ منّتك نفسك ضلّة فأطعتها * سبل الرّشاد وهنّ غير قواصد تضع الذّنوب على الذّنوب وترتجى * درك الجنان بها وفوز العابد أنسيت أنّ اللّه أخرج آدما * من جنّة المأوى بذنب واحد قال أبو إسحاق الزّجّاج : اختلفت الآيات فيما بدئ به خلق آدم ، ففي موضع : خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ « 1 » ، وفي موضع : مِنْ طِينٍ لازِبٍ « 2 » ، وفي موضع : مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * « 3 » ، وفي موضع : مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ « 4 » قال : وهذه الألفاظ راجعة إلى أصل واحد ، وهو التّراب الذي هو أصل الطّين ، فأعلمنا اللّه عزّ وجلّ أنّه خلق من تراب جعل طينا ، ثمّ انتقل فصار كالحمإ المسنون ، ثمّ انتقل فصار صلصالا كالفخّار . وقال الثعالبي في قوله تعالى حكاية عن إبليس أنّه قال : خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * « 5 » . قال الحكماء أخطأ عدوّ اللّه في تفضيله النّار على الطّين ، لأنّ الطّين أفضل من النّار لوجوه : أحدها : أنّ من جوهر الطّين الرّزانة ، والسّكون ، والوقار ، والحلم ، والأناة ، والحياء ، والصّبر ، وذلك سبب توبة آدم وتواضعه وتضرّعه فأورثه المغفرة والاجتباء والهداية ، ومن جوهر النّار الخفّة والطّيش والحدّة والارتفاع والاضطراب ، وذلك سبب استكبار إبليس ، فأورثه اللّعنة والهلاك . والثّانى : أنّ الجنّة موصوفة بأنّ ترابها المسك ، ولم ينقل أنّ فيها نارا . الثالث : أنّها سبب العذاب بخلاف الطّين . الرّابع : أنّ الطّين مستغن عن النار ، والنّار محتاجة إلى مكان وهو التّراب . الخامس : أنّ الطّين سبب جمع الأشياء ، والنّار سبب تفريقها . وفي صحيح مسلم عن النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إنّ اللّه تعالى خلق آدم يوم الجمعة » « 6 » . وفي تاريخ دمشق

--> ( 1 ) الآية 59 سورة آل عمران ( 2 ) الآية 11 سورة الصافات ( 3 ) الآيات 26 و 28 و 33 سورة الحجر ( 4 ) الآية 14 سورة الرحمن ( 5 ) الآيتان 12 سورة الأعراف ، و 76 سورة ص ( 6 ) أخرجه مسلم وأحمد في مسنده عن أبي هريرة ( الفتح الكبير ) .